2026-07-24 4:07 صباحًا

26.9°C

اقتصاد المعرفة وجوكر مجتمعات الممارسة التنظيمية

د. محمود فوزي

انتقلت الإستراتيجيات الإدارية الحديثة من التركيز التحليلي على نظم التعلم الفردي؛ إلى التعلم التنظيمي المستدام؛ باعتباره مشاركة فعالة في العالم الاجتماعي، الذي يعتمد بشكل رئيس على التجارب الإنسانية المباشرة، وما يتخللها من تفاعلات شخصية بين الأعضاء، ومراقبتهم الدقيقة لتجارب، وممارسات الآخرين؛ كي يتعلموا، ويدركوا “أسرار المهنة Tricks of the trade ” فضلًا عن استكشاف العوامل الرئيسة، والحلول الفعّالة للعمليات المؤسسية المعقدة؛ لاسيما في ظل اقتصادات المعرفة العالمية؛ حيث تعد القدرة على إدارة الموارد المعرفية، بمثابة استجابة فورية لقوى التغيير، والتعلم من التجارب؛ ومن ثم تحسين النتائج التنظيمية، وبلوغ الغايات الإستراتيجية الرئيسة.

وينجم عن هذه العمليات- ذات البعدين التنظيمي والتفاعلي- تشكيل ما يعرف بـ “مجتمعات الممارسة the community of practice” التي تتألف من مجموعات الأفراد ذوي الروابط غير الرسمية؛ لكن تجمعهم مستويات مشتركة من الخبرة والشغف بمشروع تنظيمي معين، فيتفاعلون بانتظام مع الزملاء وجماعات المصالح؛ بغية التعلم، والحضور الاجتماعي، وتحسين الأداء، وإدراك التوقعات المستقبلية.

وتحوي مجتمعات الممارسة مراكز غير رسمية؛ لالتماس وتفسير المعلومات، وإدارة النظم المعرفية بطرق عملية؛ تجمع بين الرقابة المطلوبة والحرية المأمولة؛ هدفها الرئيس هو رعاية الكفاءات، وتنمية المواهب، فهي بمثابة حاضنات لهويات أعضائها، الذين يحرصون على رصد وتقييم الظروف البيئية والتنظيمية المتغيرة، والكشف عن الفجوات والثغرات المؤسسية؛ للبحث عن سبل مواءمتها مع التغيرات البيئية المحيطة، وتحويلها لقدرات تنافسية متسقة مع التعقيدات التنظيمية، والنظم المعرفية القائمة؛ كالمعايير، والإجراءات الروتينية، والمعارف السابقة.

وتعزز التكنولوجيا الرقمية فرص إجراء التجارب، وتبادل المعارف المشتركة بمجتمعات الممارسة الإلكترونية؛ حيث يتسم الفضاء الرقمي باللامركزية، واللاتزمانية؛ ما يسمح بمرونة التفاعل، والتطوير المستمر للمستودعات المعرفية، ولكن التفاعل الإلكتروني غير المشروط؛ قد يُشتت انتباه الأعضاء عن السعي لتحقيق الغايات التنظيمية، من خلال تجاهل الخبرات المعرفية السابقة والمتراكمة، وتكبد عناء التجريب؛ دون جني مزايا تنافسية؛ ذلك لأن الاعتماد الأصم على الذكاء الاصطناعي بشكل كامل؛ يؤدي لتقويض عمليات التعلم التنظيمي؛ حيث تفشل المنظمة في إدارة المواقف المعقدة؛ ما يفقدها القدرة على الاستجابة السريعة، والامتثال المرن للتغيرات البيئية؛ ما يُهدد استدامتها الاجتماعية طويلة المدى؛ لذا يُنظر إلى التكنولوجيا على أنها أكثر قدرة على تطوير الأداء التنظيمي؛ ببيئات صنع القرار -البسيطة نسبيًا- لكنها قد تكون ضارة أو أقل نفعًا بالبيئات والثقافات التنظيمية الأكثر تعقيدًا.

ويقوم الأفراد بمجتمعات الممارسة التنظيمية باستيعاب المعلومات، والأفكار، وترجمتها لنماذج ذهنية، وتطبيقات معرفية، فيركز بعض الأفراد على المعارف الضمنية، بينما يركز آخرون على فرص الريادة، والاستباقية، وتوليد معارف ذهنية جديدة؛ حيث تتحول ممارسات التعلم الفردي إلى تعلم جماعي؛ شريطة أن يفهم كل عضو في الفريق الدور المطلوب منه؛ حيث يتعلم أعضاء الفريق من ذويهم، ويتشاركون الأهداف، ويطورن مهارات بعضهم البعض.

وينبغي على المنظمة تهيئة ثقافة مؤسسية صحية وآمنة، تقبل التغيير ولا تقاومه، وتعزز فرص تطوير القدرات، للارتقاء بالسلامة النفسية واليقظة الذهنية للعاملين؛ ما ينعكس بدوره على دوافعهم الذاتية؛ للانغماس التنظيمي في شبكات وعمليات التعلم المؤسسي، وتطوير قدراتهم على استكشاف التحديات والفرص المهنية الواعدة، واقتراح حلول مبتكرة للفجوات التنافسية، وذلك في إطار مناخ تنظيمي رشيد؛ تسوده القيم المشتركة، والعلاقات غير الرسمية بين الرؤساء والمشرفين من جانب، وبين الموظفين والمرءوسين من جانب آخر.

موضوعات مقترحة