في إطار متابعتي لفعاليات منتدى مصر 2026، لفتت انتباهي المناقشات التي شهدتها جلسة العمران، وما تضمنته من بيانات وأرقام تعكس حجم الجهود المبذولة في تطوير المدن والبنية التحتية، إلى جانب ما قدمه الدكتور مصطفى مدبولي من عرض لأبرز محاور الجلسة والرد على تساؤلات المواطنين.
ومن بين الأفكار المهمة التي تستحق التوقف أمامها أن نجاح مشروعات العمران لا يتوقف عند مرحلة البناء والتشييد، بل يمتد إلى كيفية الحفاظ على هذه المشروعات وضمان استدامتها على المدى الطويل، بما يدعم بناء بيئة مستدامة توفر جودة حياة أفضل للأجيال الحالية والقادمة.
فإنشاء المدن الجديدة، وتطوير الطرق، وتوسيع شبكات النقل، وتوفير خدمات المياه والكهرباء، كلها خطوات أساسية نحو تحسين جودة الحياة، لكنها في الوقت نفسه تتطلب خططًا مستمرة للصيانة والتشغيل، واستثمارات تضمن استمرار كفاءة هذه المشروعات وقدرتها على تلبية احتياجات المواطنين، مع مراعاة الأبعاد البيئية في التخطيط والتنفيذ.
فالتحدي الحقيقي ليس فقط أن نبني، بل أن نحافظ على ما نبنيه، وأن نضمن توافق العمران مع متطلبات البيئة المستدامة.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة مع التوسع العمراني الذي تشهده مصر، إذ لا ينبغي النظر إلى تكلفة إنشاء المشروعات باعتبارها التكلفة الوحيدة، بل يجب أن تمتد الرؤية إلى تكاليف التشغيل والصيانة والإصلاح، باعتبارها جزءًا أساسيًا من التخطيط العمراني المستدام، الذي يوازن بين التنمية الاقتصادية واحتياجات المجتمع والحفاظ على الموارد الطبيعية.
لكن مسؤولية الحفاظ على العمران لا تقع على عاتق الدولة وحدها، فالمواطن شريك رئيسي في حماية هذه الاستثمارات. والسلوكيات اليومية البسيطة، مثل عدم إلقاء المخلفات في الشوارع، والحفاظ على نظافة الأماكن العامة، وعدم إتلاف وسائل النقل والمرافق، تمثل فارقًا حقيقيًا في إطالة عمر هذه الأصول وتقليل تكاليف إصلاحها، فضلًا عن الحد من الممارسات التي تضر بالبيئة.
وهنا تظهر العلاقة الوثيقة بين الوعي المجتمعي والاستدامة البيئية؛ فكلما زاد إدراك المواطنين لقيمة المرافق العامة والموارد الطبيعية، تراجعت الممارسات التي تؤدي إلى إهدار الموارد أو الإضرار بالممتلكات العامة والبيئة المحيطة.
كما أن ترسيخ ثقافة احترام الممتلكات العامة والحفاظ على البيئة يحتاج إلى تكامل بين جهود الدولة في توفير الخدمات وصيانتها، ودور المؤسسات التعليمية والإعلامية في نشر الوعي، إلى جانب مسؤولية كل فرد عن سلوكه تجاه المجتمع والبيئة المحيطة به.
إن الاستثمار في العمران لا يقتصر على المباني والطرق وشبكات المرافق، بل يشمل أيضًا الاستثمار في وعي الإنسان، باعتباره العنصر الأساسي في نجاح أي خطة تنموية. فالمشروعات التي تُقام اليوم هي أصول يجب الحفاظ عليها لتستفيد منها الأجيال الحالية والقادمة، وليس مجرد إنجازات تُقاس بحجم الإنفاق أو عدد المشروعات المنفذة.
في النهاية، لا يمكن تحقيق عمران مستدام دون بيئة مستدامة ووعي مجتمعي مسؤول. فالدولة تخطط وتبني وتوفر الخدمات، والمجتمع يحافظ عليها ويستخدمها بصورة مسؤولة، لتتحول الاستثمارات العامة إلى قيمة مستدامة تنعكس على جودة الحياة، وتحافظ على الموارد الطبيعية، وتدعم مسيرة التنمية في مصر.
إن بناء المدن هو خطوة نحو المستقبل، أما الحفاظ عليها وعلى بيئتها، فهو الضمان الحقيقي لاستمرار هذا المستقبل بصورة أفضل وأكثر استدامة.











